ابن عربي

13

فصوص الحكم

ليس الإنسان - الإنسان الكامل - هو العلة الغائيّة من الوجود فحسب ، بل هو الحافظ للوجود والسبب في استمراره . أما أنه العلة الغائيّة من الوجود فقد شرحناه ، وأما كونه سبب استمرار الوجود فلأن العلة إذا وجدت وجد معلولها ، وإذا انعدمت انعدم معلولها الخاص ، فإذا زال الإنسان من العالم ، وهو المقصود بالذات من خلق العالم ، لزم أن يزول العالم : أي لزم أن تنحل الصور الكونية وترجع إلى أصلها وهو الذات الإلهية الواحدة . وهذا معنى قول المؤلف « وانتقل الأمر إلى الآخرة » إذ المراد بالآخرة ذات الحق التي عنها صدر كل شيء وإليها يرجع كل شيء ، بالدنيا ، العالم الخارجي : عالم الظواهر . وخلاصة الفقرة أنه إذا زالت علة ظهور الحق في صور الوجود زال العالم الذي هو مجموع هذه الصور وبقيت الذات الإلهية وحدها غير ظاهرة في شيء ولا معروفة لأحد . ( 8 ) « وليس للملائكة جمعية آدم . . . تقديس آدم » . ليس للملائكة جمعية آدم لأنهم لا تتمثل فيهم جميع الأسماء الإلهية التي تتمثل في الجنس البشري . ولذلك لما علَّم الله آدم الأسماء كلها - وعلَّم هنا مأخوذة بمعنى أظهرها فيه - وجعله خليفة عنه في أرضه ، أنكر الملائكة الذين لم يدركوا سر ذلك الأمر منزلة آدم وقالوا « أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ؟ » وكل شيء في الوجود يسبح الله ويقدسه بحسب منزلته من الوجود وبحسب ما أودع الله فيه من مظاهر أسمائه ، لأن التسبيح والتقديس هنا ليس معناهما إلا إظهار الكمال الإلهي الذي يتجلى في الموجود بمقتضى طبيعة الموجود نفسه . ولذلك قال تعالى « وإِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » لأن الشيء لا يفقه تسبيح غيره وتقديسه لله إلا إذا كان ذلك الغير مماثلًا له في طبيعته ، ولهذا لم تفقه الملائكة تسبيح آدم ولا تقديسه ، ولا هي سبحت الله وقدسته تسبيح آدم وتقديسه .